ابن رشد

279

تهافت التهافت

أو الانتقال منها إلى أضدادها فينمحي المدرك الحقيقي عن الحفظ ويبقى مثال الخيال في الحفظ ، فيحتاج إلى تعبير ما يمثل الخيال الرجل بشجر والزوجة بخف والخادم ببعض أواني الدار وحافظ مال البر والصدقات بزيت البذر فإن البذر سبب للسراج الذي هو سبب الضياء وعلم التعبير يتشعب عن هذا الأصل . وزعموا : أن الاتصال بتلك النفوس مبذول إذ ليس ثم حجاب ولكنا في يقظتنا مشغولون بما تورده الحواس والشهوات علينا فاشتغالنا بهذه الأمور الحسية صرفنا عنه ، وإذا سقط عنا في النوم بعض اشتغال الحواس ظهر به استعداد ما للاتصال . وزعموا : أن النبي المصطفى يطلع على الغيب بهذا الطريق إلا أن القوة النفسية النبوية قد تقوى قوة لا تستغرقها الحواس الظاهرة فلا جرم يرى هو في اليقظة ما يراه غيره في المنام . ثم القوة الخيالية تمثل له أيضا ما رآه وربما يبقى الشيء بعينه في ذكره وربما يبقى مثاله فيفتقر مثل هذا الوحي إلى التأويل كما يفتقر مثل ذلك المنام إلى التعبير ، ولولا أن جميع الكائنات ثابتة في اللوح المحفوظ لما عرف الأنبياء الغيب في يقظة ولا منام ، لكن جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، ومعناه هذا الذي ذكرناه . فهذا ما أردنا أن نورده ليفهم مذهبهم . قلت : قد قلنا : إن هذا الرأي ما نعلم أحدا قال به إلا ابن سينا وأما الدليل الذي حكاه عنه فهو واهي المقدمات وإن كانت مقنعة جدلية وذلك أنه يضع أن كل مفعول جزئي فإنه إنما يصدر عن المتنفس من قبل تصور جزئي لذلك المفعول وحركات جزئية بها يكون ذلك المفعول الجزئي . ثم يضيف إلى هذه المقدمة الكبرى مقدمة صغرى وهي : إن السماء متنفسة يصدر عنها أفعال جزئية فيلزم عن ذلك أن يكون يصدر عنها ما يصدر من المفعولات الجزئية والأفعال الجزئية عن تصور جزئي وهو الذي يسمى خيالا وهذا ليس يظهر في الصنائع فقط ، بل في كثير من الحيوان الذي يفعل أفعالا محدودة كالنحل والعنكبوت وغير ذلك . والعناد لهذه المقدمات أنه ليس يصدر فعل جزئي عن ذوي العقول إلا من جهة ما ذلك المعنى متخيل خيالا عاما ، فتصدر عنه أمور جزئية لا نهاية لها . مثال ذلك : إن الصانع إنما تصدر عنه صورة الخزانة من جهة خيال كلي عام لا يختص بخزانة دون خزانة ، وكذلك الأمر فيما يصدر من الصنائع بالطبع عن الحيوانات ، وكأن هذه الخيالات هي واسطة بين الإدراكات الكلية والجزئية ؛ أعني أنها واسطة بين حد الشيء وخياله الخاص به فالأجرام السماوية إن كانت تتخيل فبمثل هذا الخيال الذي هو من طبيعة الكلي لا الخيال الجزئي المستفاد من الحواس . ولا يمكن أن تكون أفعالنا صادرة عن التصور الجزئي ولذلك ما